Lencana Facebook

Tampilkan postingan dengan label نظرية الآداب. Tampilkan semua postingan
Tampilkan postingan dengan label نظرية الآداب. Tampilkan semua postingan

الخطوات لكتابة اسلوب الشعر


حليمي زهدي

1. اختيار شكل الكتابة
أن تبدأ  باختيار شكل الكتابة، شعرا كان أو قصة، إذا تريد أن تكتب الشعر فعليك أن تختار  أسلوب الكلمات بأكثر انتقائية، وذلك لأن هناك علاقة بين الكلمات والمعاني والأصوات (موسيقيا) وغيرها. وفي الوقت نفسه، و كانت قصة أبسط ولا تحتاج إلى الانسجام في كلمة واحدة.

2. اختيار الكلمات الصحيحة
في اختيار الكلمات، ان تكون لديك القدرة على الحدس والإبداع والخيال فضلا عن الخبرة والمعرفة. مثلا تقول "أنا أحبك" تصير تلك العبارة ب "أريد أن أشم رائحة الزهور على قدميك". من بسيطة تحولت إلى لغة كاملة فيها الخيال و الكلمات غير عادية،. وهذا أمر ضروري في اختيار الكلمات وفقا لرغبات الكاتب. أو مثل كلمة الحب تبدل بالأمواج، إليك تبدل الشاطئ والرمال والصخور، وأكثر من ذلك.

3. التأمل
بعد الحصول على بضع الكلمات التي سيتم إرفاقها مع الكلمات الأصلية، أو الكلمات أو العبارات التي تبدل أكثر ملاءمة للخيال، والقافية، والمعنى، فعليك بإعادة التأمل هل كانت الكلمات قوية قادرة على إنفاذ القارئ، وغير العادية ، ولها الخيال العالية. وينبغي أن تعدل في اختيار الكلمات وفقا بالايقاع والشعور.

4. وصف الشعر
أن تحاول ان تحضر بالإحساس في كل العبارة، والكلمات،التى تكتبها، وليس فقط تحمر الشفاه والمحليات وحدها. وتقدر ان تشعر لأنفسك، وحتى تتمكن من استحضار شعور القارئ، والكلمات المختارة البليغة، والساحقة، وكذلك لارضاء الأذن وانطباعا في ذهن القارئ. التأمل يختلف مع الاحساس، الاحساس ان تخترق الكلمة القلب وتحرك مشاعر القارئ، سواء في اختيار موضوع، والايقاع، والأسلوب، وأكثر من ذلك. تلك الكلمات تحرك الشعور إن كان المؤلف يحرك شعوره في الكتابة، سواء من خلال الخبرة، اضطرابات الفكر، أو النتيجة لتعبير الآخرين والاستيعاب وفقا لموضوع الكتاب. وترتبط الشعور بالخيال. 

5. كتابة الأسلوب في التعبير
بعد اختيار الكلمات أو العبارات مع أفضل ما ارتبط بالمعنى والايقاع، وترتيب الكلمات. حتى ذلك الحين تحاول ان تشكل كل كلمة في الجمل والجمل في الكلمات، والكلمات إلى البيت إلى أخرى مع وجود تماسك بالموضوع، على الرغم من أنه يحتوي على الخيال مختلفة، ولكن ليس بعيدا عن الموضوع و المعنى. أن تنظر مرة أخرى في الشعر أو العبارت أعلاها، كيف يمكن لك ان تختار الكلمات المناسبة.
الملاحظة : إن سر الوحدة الشعرية هو احتفاظ الشاعر بالموقف وكلما كثر اطلاعه وغزرت ثقافته اتسق اسلوبه وقد يجمع الشاعر في القصيدة الواحدة اكثر من اسلوب واكثر من موقف الا الاسلوب القصصي فبه يستطيع الشاعر ان يلم بجميــــــــــــــع الاساليب الشعري

النظام والفوضى في النظرية الحديثة


في السعي للحصول على قواعد ناظمة لنظرية الأدب الحديثة نرى شيئاً من الفوضى، بل نرى شيئاً من التضارب أحياناً في النظريات التي باتت من الكثرة بحيث لا يمكن جمعها في نسق متآلف ومنسجم، فالنقاد المحدثون لم يجمعوا على شيء باستثناء بعض الأبحاث السيميولوجية. وفي هذه الحالة فإنه ليس من الغريب أن يناقض مورون غولدمان، وأن يناقض ريكارد ومورون، وإن يناقض جان بيير فاي ريكاردو..(40).
لقد تطرقت النظرية الأدبية الحديثة لما كان يسمى في النظرية القديمة "عناصر الأدب" فبحثت في طبيعة الأدب وهدفه وعلاقته بالمؤلف وارتكاساته النفسية ومدى ارتباطه بالمجتمع والثقافة والفن، والنوعية اللسانية التي تتجلى بها. ولكن الإجابات قدمت المحتمل وليس المؤكد، والأرجح وليس الحاسم. ويبدو أن النظرية الأدبية الحديثة لدى بعض الباحثين تلتزم جانب الحذر في تغليب احتمال على آخر، إلا أن بعضهم الآخر مال إلى التطرف. فمثلاً حتى الآن لم تُحسم مسألة علاقة النص بالمؤلف، فمنهم من يبتر العلاقة بين الطرفين، ومنهم من يوازن بين المؤلف والتقليد الأدبي، ومنهم من يرجح المؤلف على التقليد الأدبي. والحذرون منهم يحاولون تقدير دور كل عنصر تقديراً موضوعياً معززاً بالبراهين(41) فمجالات أحكام المنظرين تمتد من النفي القاطع إلى الإيجاب الحاسم لكل عنصر من عناصر النظرية الأدبية.

إن الفوضى الظاهرة في النظريات الأدبية الحديثة ليست متأتية من كون الأدب متسيباً، فمنذ القديم كانت هناك "عمليات" ضبط لكينونة الأدب ذاته وصيرورته. إن هذه الفوضى متأتيه من طبيعة الأدب ذاته. وخصوصية هذه الطبيعة إنها لا تلتصق بالواقع ذلك الالتصاق الاحصائي الدقيق الذي يتيح إقامة نظام علمي ينضوي تحت الأدب. فالتراجيديا لا تقدم الناس كما هم في الواقع بل تقدمهم بمستوى أرفع مما هم فيه. وهي إذ تقدم هذا المستوى الذي يعلو على المستوى العادي إنما ترمي -حسب رأي أرسطو- إلى غاية محددة هي تحقيق الكاتارسيس(42). أما الكوميديا فتقدم الناس، بمستوى أدنى مما هم عليه وغرضها في ذلك السخرية من العيوب الاجتماعية. فالتراجيديا والكوميديا يقدمان مستويين أعلى وأدنى من المستوى البشري، إلا أن العيوب في الأولى ناجمة عن الطبيعة أو الحياة، إنها عيوب لا يد للإنسان في صنعها (الهامارتيا) أما في الثانية فإنها من صنع البشر أنفسهم. فالفرق بين الكوميديا والتراجيديا أن عيب الأولى صنعي وعيب الثانية طبيعي. ولذلك تثير الكوميديا السخرية، بينما تثير التراجيديا الخوف والشفقة، فالمخطئ لطبيعة فيه نرثي له، أما الذي يصنع الخطيئة بنفسه فإننا نسخر منه. وعلى هذا فإن من يقدم الواقع يكون عالماً بينما يكون أديباً من يقدم موقفه منه.
وقد يخيل إلينا أن "موقفه منه" يحيل إلى التسيب والفوضى. فظاهرة من الظاهرات الواقعية يتقارب الذين يرصدونها تقارباً شديداً يكاد يتطابق في بعض الأحايين. أما الموقف من هذه الظاهرة فإنه مدعاة إلى الاختلاف والتباين والتناقض. وبما أن الأدب "موقف من"، أي تأثير الواقع في النفس، فإن من المنطق الشكلاني المحض أن نخلص إلى أن الأدب لا تضبطه قواعد. بل إن النقد الأدبي نفسه لا تضبطه قواعد، والدليل أنه لا يوجد لدينا مفهوم واحد عن الأدب، بل مئات المفاهيم المستقلة والمتنوعة والمنفصلة، فكأن هناك عالماً من الفوضى وليس عالماً من النظام.
وهذا ما جعل بعضهم يرى في الأدب ميداناً يختلف كل الاختلاف عن ميدان العلم، بل يناقضه(44). فالعلم حدث خارجي بعيد عن وجدان الإنسان، والأدب حدث وجداني كامل أو بالأحرى هو تأثير الحدث الخارجي في الوجدان. فإذا كان من المستطاع ضبط الحدث فهل يمكن ضبط التأثير الذي يختلف من إنسان إلى آخر؟
يضاف إلى ذلك أن العلم إحصائي أما الأدب فإنه بعيد عن لغة الإحصاء، لذلك ينضبط الأول ويتسيب الثاني.
والعلم يخضع لسببية خارجية، بينما الأدب يخضع لانفعالات وإرادات ومقاصد.
ثم إن العلم تجربة قابلة للتكرار في أي زمان ومكان، أما الأدب فلا يمكن تكرار تجربته، فلا يمكن الحصول مثلاً على "الأوديسة" أو "الجريمة والعقاب" "مرة ثانية.. إن التجربة الأدبية تحدث لمرة واحدة فقط، فعن أي علم نتحدث إذا لم يكن في مقدورنا استعادة التجربة، هذه الاستعادة التي تعتبر أعظم اختبار للعلم؟
والعلم يخطئ فيبطل ويحل الصحيح محل المغلوط، فهناك انقطاع ابستمولوجي في الميادين العلمية، فهندسة لوباتشوفسكي لا علاقة لها بهندسة اقليدس، وهذا مالا وجود له في الأدب، فأقدم الآثار الأدبية ما تزال حية عندنا مثلها مثل أي أثر خرج للتو من المطبعة، إذ كان أهلاً للحياة. إن القطيعة غير موجودة في الآثار الأدبية، إذ ما يجب أن يموت يولد ميتاً ولا يحتاج إلى من يقضي عليه. إنه لا يعيش حتى يوطد سلطته ثم يسقط. إنه محروم من السلطة أصلاً. ولكن إذا عاش فإنه لا يموت أبداً.
يمكن اختصار هذه الحجج بحجة واحدة وهي أن العلم تجربة خارجية بينما الأدب تجربة وجدانية. فالسببية والتكرار والاحصاء والقطيعة لا تكون إلا في التجربة الخارجية، في الأشياء. أما التجربة الداخلية فإنها في الانطباع، أي في تأثير هذه الأشياء في النفوس. والانتقال من التجربة الخارجية إلى التجربة الداخلية أشبه بالانتقال من النظام إلى الفوضى. وعلى هذا لا تكون النظرية الأدبية علمية إلا إذا استطاعت الانتقال من التجربة الداخلية إلى التجربة الخارجية، أي العثور على معادل خارجي للتجربة الداخلية. وقد حاولت ذلك بعض النظريات كالوضعية التي جعلت الأدب استجابة للبيئة والعصر والعرق كما في نظرية تين، والبراغماتية التي رأت أن الأدب هو ما تجسد في كينونة مادية مفيدة تخدم الفرد والمجتمع، كأداة تساعده في سلوكه(45) ولكن مثل هذه النظريات العلمية تستخف بالأدب وتعتبره من النشاط الكمالي. فالعلم هو الذي يجلب التقدم والرفاهية للإنسان، أما الأدب فهو الذي يمتعنا. العلم يرقى بحياتنا والأدب يجعلنا نشعر بمتعتها. والمجتمع الذي تسود فيه النظرة الأدبية يتمتع ولكنه لا يتقدم، والمجتمع الذي تسود فيه النظرة العلمية يتقدم أكثر مما يتمتع، ولهذا فالشرق معرض فن، والغرب معمل كبير(46).
وإلى جانب الوضعية والبراغماتية نجد الماركسية تربط بين الأدب والواقع الاجتماعي ربطاً محكماً. فالأدب انعكاس للوضع الاجتماعي وتطلع لما يجب أن يكون عليه هذا الواقع. ولمعرفة قوانين الأدب تكفي معرفة قوانين التطور الاجتماعي. فهناك واقع محتضر، والأدب المعبر عنه هو أدب رجعي. وهناك واقع ينمو في قلب المجتمع القديم، والأدب المعبر عنه هو أدب تقدمي. وهناك طبقة برجوازية ذات فئات عدة، فلا بد أن يكون هناك أدب تنعكس فيه سياسات هذه الفئات.. وهكذا(47).
وعلى هذا نكون قد ضبطنا التجربة الداخلية، لا بدراستها دراسة مستقلة، بل بربطها بالتجربة الخارجية عن طريق نظرية الانعكاس، التي كانت مرتكزاً أساسياً في الدراسات الماركسية، فالانتاج الأدبي لا بد أن يتطابق مع العملية التاريخية أو "التشكيلة" عن طريق علاقة جدلية. والقوانين الأدبية هي تلك القوانين التي ترصد العلاقة الجدلية بين الأدب كبنية فوقية والواقع المادي كبنية تحتية(48).
وقد حاولت البنيوية بشتى مدارسها: جنيف وبراغ وحلقة الشكليين الروس ومدرسة كوبنهاغن، الانتقال من الداخل إلى الخارج عن طريق اللغة، فالتحليل اللغوي هو أفضل المناهج وأكثرها علمانية ليس في الأدب وحسب، بل في كل العلوم ولا استثناء(49) لقد كانت اللغة في رأي النقاد الجدد، الفرنسيين والأميركيين، هي وحدها مجال النظرية الأدبية. وبينما يميل الأميركيون إلى إبعاد العلوم الأخرى كعلم الاجتماع وعلم النفس.. وكان الفرنسيون يجدون في اللغة القاسم المشترك بين كل العلوم الطبيعية والإنسانية، فكما أن اللغة أساس في التعبير الكيميائي أو الرياضي أو الفيزيائي، فإنها أيضاً أساس في التعبير حتى عن الحلم. فكل شيء لغة، ومن دون لغة لا يوجد علم، سواء كان علم "الماديات" وعلم "الروحانيات".
لسنا في معرض تقديم الاتجاهات "الخارجية" إن صح التعبير، وإنما في معرض تقديم بعض النماذج، بشكل عابر جداً أقرب إلى الإشارات لاعتقادنا أنها اتجاهات باتت معروفة ومنتشرة. وبالمقابل فإننا نشير إلى أن ثمة محاولات مناقضة للمحاولات السابقة، سارت في الطريق المعاكس، أي جعلت الفنان يستسلم لهلواسه الداخلي ووعيه الباطني، يستجيب للحلم لا للواقع، باعتبار أن الحلم هو الحقيقة، هو اللغة المعتمدة وليس الواقع. فالسيريالية مثلاً ترتحل من الخارج إلى الداخل، بل تعتبر أن المصانع التشريحية والمساكن الرخيصة ستهدم أعلى المدن، أي أن أي تقييد للنشاط السيريالي ليس سوى تحطيم له. إن النشاط السيريالي عبارة عن استجابة للصوت السيريالي، سواء في الأدب أو الفن أو الفلسفة أو السلوك.. إن السيريالية هي "السير الحقيقي للفكر" هي املاء من الذهن في غياب كل رقابة من العقل"(50).
خزان الأدب في رأي السيريالية ليس الواقع، ولا العقل. إنه "الإلهام" وبهذا تكون السيريالية قد قطعت الطريق بالسير خلفاً. وهو طريق يخالف تماماً الطريق الماركسي "الانعكاس". والغريب هنا أن السيريالية هي ابنة الماركسية، فقد كان أندريه بروتون تروتسكياً متحمساً، وكان ترستان تزارا ستالينياً متحمساً. ونظن أن هذين الانتماءين كانا وراء انفصال بروتون عن تزارا.
لقد وصلت السيريالية إلى درجة الاعتقاد أن الحياة الواقعية تشويش للذهن، والاهتمام بالأشياء العادية عبارة عن بداية سيئة لن تؤدي إلى قيام أدب حقيقي صادق يعبر عن "الخارق". الأشياء تخلق في الإنسان العادة، والحلم يخلق فيه الإبداع. وبين العادة والإبداع فروقات كبيرة جداً، فالعادة تقييد والحلم الهام. العادة قواعد منظمة، والحلم هو أعلى درجات الحرية. وعلى هذا فإن الكتابة السيريالية لا تؤمن بالقواعد، على النقيض من البنيوية. إن الكتابة في عرفها هي الاستجابة العفوية، أو قل العشوائية لصوت الخيال الحر، أو المتحرر من القيود التي تكبل عملية الكتابة. أن السيريالية أشبه بنزعة "نوسترد اموسية" تخرق الواقع وتصل إلى منبع الالهام(51).
أما الفرويدية التي كان لها تأثيراً واسع على أندريه بروتون فإنها تشبه السيريالية من حيث الارتحال إلى العالم الداخلي الغني والمعقد. لكنها إذ دخلت ذلك العالم المعتم راحت تضع القواعد له، في مسعى لاكتشاف النظام النفسي الثابت المتحكم في سلوك الإنسان وإبداعه. إن الإبداع في الفرويدية ينبع من الداخل، ولكنه ليس عفوياً، بل إنه مرتبط بآلية نفسية لها قوانينها التي لا تختلف في عرف مدرسة التحليل النفسي عن قوانين الفيزياء. فالأنا والهو والأنا العليا ليست اختراعات وهمية، بل هي وظائف يقوم بها الدماغ. ومنطقة المهاد هي المسؤولة عن الإبداعات، أدبية كانت أو فنية. وعلى هذا تكون الفرويدية، التي دخلت مع السيريالية إلى العالم المعتم، أول من سعى إلى خلق نظام ضابط، فالكتابة ليست ولا يمكن أن تكون عشوائية. إنها آلية من آليات الدفاع عن النفس. فالفرويدية لا ترى في الأدب ثرثرة ولغواً باطلاً كالوضعية والبرجماتية بل تراه أساس حياة الإنسان ووسيلة من وسال الدفاع عن الوجود البشري، ولذلك أولت أهمية كبرى للآثار الأدبية. وقد أوجدت للإبداع ميكانيزما، لا يمكن أن يشذ عنها شاذ، ولا أن يخترقها مخترق. لقد قدم فرويد طوبوغرافيا دقيقة عن النفس البشرية، تظهر فيها النتوءات والتضاريس الصغيرة.
لقد أعلن أنه اكتشف "قوانين النفس البشرية" واستطاع أن يترجم "الصندوق الأسود" في المركبة الفضائية. إن راكب الطائرة لا يشعر أبداً بما يجري في الصندوق. ولكن هذا لا ينفي وجود الصندوق من جهة ولا يعني أنه بلا قوانين، من جهة أخرى. وفتح هذا الصندوق يعني قراءة كل مراحل الرحلة. وفي حال الاقرار بوجود الصندوق، ما علينا إلا اكتشاف الأنظمة التي يعمل بها. والنفس البشرية تشبه الصندوق الأسود، تبدو غارقة في الفوضى مع أنها تسير على قوانين دقيقة وصارمة إلى أبعد حد. وقد جهد لاكان في تحليل هذه الأنظمة تحليلاً دقيقاً مستخدماً نظام دى سوسير اللغوي باعتباره أفضل الأدوات لمعالجة نظام الصندوق الأسود(52).
ومن الدراسات الجادة التي رصدت قوانين الصندوق الأسود كتاب "رواية الأصول وأصول الرواية" لمارت روبير، التي سعت إلى تحليق الآثار الروائية العالمية حول قطب "الولد غير الشرعي" وهذا مصطلح جديد على النقد الأدبي الحديث. والمقصود بهذا المصطلح ليس الولد الدعي، وإنما الشعور بالغربة القاتلة إزاء الأب الحقيقي. إنه شعور داهم، ولكنه شعور لتجليه لدى كتاب الرواية، وفي الرواية ذاتها أيضاً(53).
كل هذه المحاولات التي انصب بعضها على الخارج، وبعضها على الداخل، إنما ترمي، إلى الانتقال من الفوضى إلى النظام، من مجهولية العملية الأدبية إلى قوننة مسارها. وسواء ارتبطت هذه الحتمية التي يظن أن الأدب خاضع لها، بالداخل أو الخارج، فإن هناك أسئلة لا يمكن اخضاعها لها. فالحتمية التاريخية مثلاً ترى أن نابليون يمثل نزوع عصر، ولو لم يقم هو منجزاً لما قام به لجاء غيره وانجز أعماله، ولم تأت قوانين نيوتن إلا لسد حاجة العصر إليها وإلا كانت قد اكتشفت منذ فجر الوعي البشري. فهل يمكن تطبيق هذه النظرة على الأدب والنظر إليه على أنه خاضع لمثل هذه الحتمية؟
إن الأدب يتمرد على هذه الحتمية، فلو لم يكن هناك بودلير لما ظهر ديوان "ازدهار الشر"، ولما كان فاتحة الشعر الحديث. فمفهوم العصر بالنسبة إلى الأدب يختلف عن مفهوم العصر بالنسبة للتطورات الاجتماعية والعلمية التاريخية كما قوننها المفكرون، على فرض التسليم بصحتها. فنحن نقول إن عصرنا أغنى بالمخترعات بما لا يقاس من عصر هوميروس أو فرجيل أو دانتي، وربما تكون هذه المخترعات من مستلزمات العصر، مع أن معظمها ليس ضرورياً، بل هي أقرب إلى الكماليات، لكننا لا نستطيع القول إن عصرنا أغنى بالشعر والأدب من عصر هوميروس أو فرجيل أو دانتي. فالمقابلة التي قد تصح في الميدان المادي لا تصح في الميدان الأدبي، ولذلك لا بد من أن تولي النظرية الأدبية اهتماماً بهذه الفروق النوعية بين الأدب وأي علم آخر، بل حتى بين الأدب وبين أي فن آخر مهما كان قريباً من الأدب كالرسم والموسيقى والنحت(54)، ومهما كان مشتركاً معها في تاريخها. فالأثر الأدبي مولود أبدي لا يمكن لأي أثر آخر أن يمحوه أو يزيحه أو يطرده. قد تمحي قوانين علمية فتحل أخرى محلها، وقد يطرد اختراع جديد اختراعاً قديماً، أما الأثر الأدبي فلا تنطبق عليه هذه القاعدة. فانتاجه خاص وسوقه خاصة واستهلاكه يختلف عن استهلاك أي سلعة مهما كانت ضرورية، ووظيفته خاصة به، لا يشاركه فيها أحد، وقد تتقارب الوظائف ولكنها لا تندمج.
هذا بالضبط ما يجب أن تراعيه أي نظرية أدبية، حديث كانت أو قديمة



يونغ وصخب التطور


يعتبر الإغريق أول شعب هندس الأدب. وإذا قورن أدبهم ببقية آداب شعوب البحر الأبيض المتوسط يمكن اعتباره أدباً يمثل الحداثة الأولى، أو حداثة المرحلة الزراعية، مع أن الإغريق لم يكونوا متطورين في الزراعة ولا في الصناعة.. كانوا شغوفين بالفن والأدب والرياضة والموسيقى.. وحتى الآن ما تزال حداثتهم تفعل فعلها في أدب هذه الأيام(1).
كان الإغريق يؤمنون بالسمو والتفوق، ولكن ليس في النواحي المادية بمقدار ما هو في النواحي الإنسانية الرفيعة التي تغني جوهر الإنسان ولا تقف عند العرض. وقد اهتموا بالعمق الإنساني الذي لا يمكن تربيته إلا بالجماليات. كانوا يشعرون بالوحوش الهاجعة في النفس البشرية. القضاء عليها مستحيل. وحتى تبقى هاجعة لا بد من الاهتمام بالسمو لتمكين الإنسان من السيطرة عليها وترويضها، أو لابقائها هاجعة على أقل تقدير وقد نشدوا هذا السمو في الأدب والفن والفكر.



ومن هنا برز تباين مذهل بين البناء الفوقي والبناء التحتي عندهم. وهذا ما يطلق عليه اسم /المعجزة اليونانية/ التي كثرت تفاسيرها بعدد المفكرين والدراسين.
إذن هناك انخلاع أو ما يشبه الانخلاع للآثار الفنية والأدبية عن ظروفها المادية. لكن ماركس يرى أن الظروف المادية أقوى فيتساءل: هل ينسجم اخيلوس مع البارود والرصاص، أو بكلمة موجزة هل تنسجم الالياذة مع الصحافة أو مع آلة الطباعة؟ ألا تختفي الأغنية والقصيدة الملحمية وربة الشعر بالضرورة أمام مسطرة عامل الطباعة؟ أفلا تتلاشى الشروط الضرورية للشعر الملحمي؟
(2).معنى ذلك أن ظاهرة الانخلاع عابرة وليست مستديمة فالمعول أخيراً هو الشروط المادية. وقد كان في هذه النقطة متساوقاً مع دارون في التفاعل الحاصل بين البيئة ومن فيها بحيث تفرض شروطها حتى على البناء الفوقي مهما كان منخلعاً عن ظرفه. إن التطور لا يرحم وسوف يغير كل شيء.
لقد أحدثت الداروينية ثورة حقيقية في عالم الفكر، مع أن دارون لم يتطرق إلى التميز بين البنية التحتية والبنية الفوقية على النحو الذي سيسير فيه ماركس والماركسية فيما بعد، وقد اقتصر على التطور البيولوجي فقط.
لكن الفكر عندما يلتقط حقيقة من الحقائق أو أطروحة من الأطروحات فإنه يعمل فيها تشريحاً وتفكيكاً إلى ما لا نهاية. فهل التطور مقتصر على البيولوجيا؟ هل أفكارنا تتطور بتطور البيولوجيا؟ أم أن الأفكار نفسها عامل من العوامل المؤثرة في التطور؟ ألا يحق أن نفرض مع لامارك أن الصفات المعنوية المكتسبة تورث كالصفات العضوية؟ وإذا كان الفكر يتطور فإلى أي مدى يمكن أن يتطور بغض النظر عن الشروط البيولوجية والبيئية؟ وما مكانة الفكر والنشاط الجمالي في وسط العوامل الكثيرة والمتفاعلة؟
لقد قدم تطوريو القرن التاسع عشر تفسيرات كثيرة يتقارب بعضها من بعض وأحياناً تتباين بل تتناقض. إن التطور الذي يوهم المرء أن تطبيقه في مجال المجتمع والنشاط الجمالي سهل وواضح هو من أشد الممارسات صعوبة. فحتى دراسات هربرت سبنسر في الأداب والفنون التي تعكس الداروينية أكثر من غيرها لانتقادات قاسية(3). فهو يرى أنها تتطور من الأدني إلى الأعلى ومن البساطة إلىالتعقيد شأنها في ذلك شأن الحياة نفسها. وهذه نتيجة خلافية جداً، فهناك من يرى أن الفنون تنحدر ولا تتطور من الأدني إلى الأعلى.
طرحت أسئلة كثيرة على نظرية التطور المطبقة على المجتمع والجماليات. فهل التطور هادف وما غايته؟ وهل التقدم حتمي؟ وإلى متى يظل التقدم "يتقدم"؟ ولماذا هناك الآن شعوب أو بقايا شعوب بدائية انسجمت مع بيئتها فلم تهطل عليها شآبيب التطور؟ وهل تطور المادة هو تطور المفاهيم الجمالية؟
حتى الآن ما تزال التطورية تستغل في كثير من الميادين، حتى في ميدان السياسة فقد استغل فرنسيس فوكوياما نقطة في نظرية هيغل عن التاريخ وبنى عليها سياسة عالمية. فقد رأى أن التاريخ سوف يصل إلى نهايته عندما تدخل البشرية عصر اللبرالية حسب المفهوم الهيغلي(4) وفي هذه المرحلة لا تعود الروح المطلق في تناقض مع العالم الموضوعي إذ تتم السيطرة على الضرورات(5)
وإلى جانب ذلك نجد نظريات عدة لا تنصاع لنظريات التطور في القرن التاسع عشر من أمثال نظرية العود الأبدي(6) والإنسان الساعي إلى التفوق على ذاته(7) الإنسان معبر وليس هدفاً وسبيل وافق غروب في تكرار متوال وحركة لولبية صاعدة(8). ومسألة المقدس الذي قد يحوله التطور إلى مدنس(9) لا تجد من يؤيدها في الأدب والفن. فلا نظن أن مسرحية /في انتظار غودوت/ لبيكت اسقطت القدسية عن مسرحية /بروميثوس/ لاسخيلوس مثلاً "ليس هذا وحسب بل إن بعض أفكار القرن الثامن عشر خضعت للنقد كفكرة التقدم(10).
حتى في القرن التاسع عشر نسمع أصواتاً تعامل الأدب بخصوصية بعيدة عن صخب التطور. فجان ماري جويو رأى أن الأدب أبعد من أن يخضع لتلك العوامل التطورية التي أراد أصحابها أن تكون شاملة لكل الظواهرة الطبيعية والاجتماعية والروحية. وجويو لا يرى أن التطور سيعصف بالتقليد الأدبي بل يغنيه من غير أن يغيّره أو يغيّر شيئاً من طبيعته. فالشعراء هم أنفسهم وهم نحن وهم المستقبل. وهم يعبرون عما لا يزول في الإنسان، عما هو باق وإن زالت الصور الواهية التي ينحبس فيها العقل المجرد(11).
هلل نيتشه لهذه المحاولة وحياها ورأى فيها صوتاً ينفرد عن صخب التطور وديماغوجيته. إلا أن جويو لم يعمل على إقامة نظرية أدبية متكاملة، فاكتفى بالدفاع عن الشعر والأدب والفن وإظهار أن العلم لا يتعارض مع الفن بل يزيده رونقاً ويغنيه مضموناً. ويبدو أن العاملين في حقل الإبداع لم يسهموا كثيراً في تقديم نظرية أدبية على غرار ما فعل ارستوفانز في مسرحية /الضفادع/. إنه لشيء ملفت للنظر أن تكون النظريات الأدبية الحديثة من تأثير الفلاسفة وعلماء النفس واللغويين والنقاد والانتروبولوجيين أكثر من تأثير الشعراء والأدباء والفنانين. والنظريات الأدبية الحديثة هي:
1-الماركسية.
2-الشكلانية.
3-الوجودية
4-البنيوية وما بعد البنيوية..
5-الفرويدية
6-النقد الأسطوري وهي التي بنيت على نظرية كارل غوستاف يونغ في علم النفس التحليلي.
والملاحظ على هذه النظريات الأدبية أنها بعيدة عن الخضوع لصخب التطور الذي خضعت له النظريات الأدبية السابقة، فقد تأثرت الطبيعية بالتطور العلمي وتأثرت الواقعية بالعلوم الاجتماعية والسياسية وكانت الرومانسية ردة فعل على التطورات العاصفة التي أصابت المدن إثر الثورة الصناعية.. وهكذا. ويمكن القول إن النظريات الأدبية الحديثة تعتمد على الثوابت أكثر مما تعتمد على التطورات والظروف الطارئة -إنها تمنح هامشاً للتطورات ولكنها لا تنساق مع صخب النظريات التطورية انسياقاً متسيباً. أو ربما كانت رداً على هذا الصخب وتمسكاً بما هو ثابت في النوازع الإنسانية المشتركة.
لعبت نظريات يونغ دوراً أخذ يتعاظم منذ الثلاثينات في هذا القرن. وعرض هذه النظريات: يحتاج إلى كتاب إن لم يكن إلى كتب، وعلى الأخص غب الدخول في ميكانيزما العمليات النفسية. ولذا من الأفضل تقصي تجليات اليونغية لدى أبرز النقاد الأسطوريين. وهذه التجليات لا تقدم طبعاً الصورة الكاملة لليونغية، إلا أنها تقدم لوحة مقبولة للوجه النقدي الأدبي والدراسات التحليلية للنصوص الأدبية. فيونغ لم يكتب دراسات أدبية كثيرة. هناك دراستان موسعتان عن علمين أدبيين: الأولى عن غوته والثانية عن جويس. الأول لم يكن معاصراً له والثاني كان من أخلص تلاميذه، استوعب نظريته وكتب ملحمته /أوليس/ دافعاً بأبطال الأوديسة في مواجهة العصر الحديث، فكانت من أعظم الروايات الراصدة لتحولات الأنماط الأولية وتغير تصرفاتها تجاه المستحدثات، مع ثبات الراسب النفسي.
إن نظرة يونغ إلى الإنسان هي نظرة كلانية واسعة، كان يحرص عليها باستمرار لدى تحليله أي ظاهرة إنسانية. والتحليل في الدراسات الإنسانية مشكلة محرجة، فأنت مضطر إلى اجتزاء ما هو بنية متماسكة مع الكلي أو الكوني. يكفي أن نقدم مثالاً واحداً لتحليل يونغ عن النمط الأنثوي الأولي لنتبين مدى التواشجات المتداخلة - فقد بدأ بتحليل هذا النمط راصداً اجتماع اليونغ واليانغ، المذكر والمؤنث وكيف أن النمط البدئي الأنثوي كان ثنائي الجنسية في البداية، وكم تجر هذه التواشجات من تفرعات وشروحات طويلة لمعرفة الحركة الكلانية وليس فقط نشاط النمط الأولي. لقد انتهى من دراسته إلى الصور البدئية التالية:
1-الليل، اللاوعي، التلقي..
2-البحر، الماء، النهر، الينبوع، البركة، البحيرة..
3-التراب، الجبل، الصخرة، الهضبة..
4-الغابة، الوادي، الأكمة، الشجرة..
5-الكهف، العالم السفلي، وكل ما يتعلق بالأعماق...
6-التنين، الموت، العنكبوت..
7-الساحرة والجنية والعذراء الطاهرة المقدسة والجنية التي غدت أميرة..
8-المنزل والصندوق والقدر والسلة والأوعية.
9-البقرة والبطة ومعظم الحيوانات التي تدل على الأنوثة والعطاء والنزوع الأنثوي.
10-الوردة والزنبقة والفواكه والثمار..
11-الأم السفلية..
12-الجدة.
13-الأم الخاصة
ولو رحنا نرسم لوحة لتأثيرات شجرة القرابة والتأثيرات المتبادلة لاحتجنا إلى جداول كثيرة جداً وطويلة جداً للأخ والأخت والأب والأم والجد والأنساق الأخرى للقرابة وأنماط الصلة التي تنطبع في النفس. ولو عرضنا تحليله الأخاذ للرمز الصيني تايشيتو لثنائية النور والظلمة -المذكر والمؤنث- في تضافره الكلي لاقتضى شرح العلاقات المتداخلة والمعقدة بين الإحساس والشعور والحدس والتفكير ناهيك عن أعماق اللا شعور الفعال واللاشعور القابع في العتمة. إن كاتدرائية ضخمة جداً وكثيرة المقصورات المتداخلة، فيها يترابط الفردي بالاجتماعي والذاتي بالموضوعي والشعور باللاشعور، والأنوثة بالذكورة، والأسطورة بالتفكير والصور والمحلي بالكوني والحاضر بالماضي والزمني بالتزامني..
إن ابتعاد يونغ عن صخب النظريات التطورية دفعه إلى متابعة استمرارية وحدة الشعور البشري على تنوعه وتباينه في مواجهاته الظواهر الكونية، وارتباطه بالبنية العميقة للنفس الإنسانية. وهذه الوحدة في العمق الإنساني لا تتجلى دائماً بآثار أدبية وفنية ودينية واحدة من حيث المظهر. إنها متنوعة ولكنها مرتبطة في العمق بوحدة آسرة. إن دراسة يونغ للماندالات منذ أقدم الأزمنة وحتى هذه العصور بينت هذه الوحدة. إن وضع المسيح في وسط الماندالا بدلاً من بوذا هو تنوع لا شك، لكنه تنوع تجليات الوحدة إن صح التعبير. إن البؤرة الكونية واحدة والأنساق المحيطة القريبة والبعيدة تكاد تكون واحدة من حيث الدلالة.
إن كل ما في نظرية يونغ يشجع على قيام نظرية أدبية حديثة. إن النظرية الأدبية لا تستطيع أن تربط نفسها بالتطورات العابرة التي تفرزها هذه المرحلة أو تلك. إن كل نظرية، أدبية كانت أو غير أدبية، تسعى إلى الشمولية والوحدة والاستمرارية، وهذا ما يتوافر في النظرة اليونغية، يضاف إلى ذلك اهتمامه الكبير بالروح، وهو شيء كاد ينفرد به بين الفلاسفة وعلماء النفس.
وعلى هذا فإن اليونغية لا تولي ظاهرة انخلاع الأثار الفنية عن زمنها كبير اهتمام، فالماندالا بغض النظر عن تجلياتها الفنية العديدة، ما تزال تعيش في أعماقنا. إنها ترتيب كوني يتركز حول بؤرة. وهذا أسّ حميم في التفكير البشري. وقد يكف البشر عن صنع أو رسم الماندالا، ومع ذلك تعيش في التصورات والأعماق النفسية. فظاهرة الانخلاع هي ظاهرة خارجية تتحكم فيها ظروف طارئة، وتظل مسيرة الإنسان مرتبطة بالثوابت العميقة كما يرى يونغ.
هل انكشفت النفس الإنسانية بكامل دقائقها وعملياتها ما دامت تتميز بهذا الثبات أو الوحدة المشتركة بين البشر؟ إن المخروط التالي يبين كيف أن هناك قسماً كبيراً وربما كان الأكبر من كل الأقسام معاً، لا نستطيع جرّه أو دفعه إلى الوعي، أو بالأحرى لانستطيع أن نرصده في الوعي.

الأنا

الوعي

اللاوعي الشخصي

اللاوعي الجمعـــــي

اللاوعــي الجمعـــي الأعمــــق

إن هذا القاع السحيق مستعص على الرصد.
إن النقد الأسطوري المنبثق من نظرية يونغ لم يقتصر على الانماط الأولية كما يذهب بعض الدارسين. فبعض النقاد- كما سوف نرى- استقصى دور الأسطورة والطقوس وكيف جرى الانسجام بين الحياة اليومية ودورة الطبيعية كما أن هناك من تابع المصطلحات اليونغية في الآثار الشعرية مثل الظل والقناع والعصاب والرمز.. لكن الحقيقة أن الأنماط الأولية ظلت تحتل المكانة الأولى في النقدالأسطوري.
وقد أثبت النقد الأسطوري أن ثمة هامشاً كبيراً للتجديد، كما أن هناك فسحة واسعة للتفرد، فإذا كان النول واحداً فإن النسيج متنوع تنوعاً غنياً جداً.
لقد اخترنا أعلاماً من النقد الأسطوري نأوْا عن صخب النظريات التطورية. منهم من التزم التزاماً شديداً بنظريات يونغ مثل بود مودكين، ومنهم من استفاد أكثر من الدراسات الانتروبولوجية فأضاف الكثير ومنح نفسه حرية التطواف في ميادين جديدة مثل نورثروب فراى الذي تشدد في مسألة وحدة النفس البشرية مما جعله يزيل كل الحواجز بين الأنواع الأدبية، حتى جعل الأدب يمتد من لغة ملتون الفخمة حتى حديث الناس العادي في الشارع، وجعل ما قبل الأدب والأدب شيئاً واحداً وكذلك السينما والرسم والموسيقى...
إن ما يهمنا هو تقصي اليونغية في النقد الأسطوري. أما تلك المنمنمات النفيسية وكذلك سبر الأعماق والعمليات العلاجية.. فإنها تهم المختصين بعلم النفس أكثر مما تهم النقاد والأدباء الذين كالنحلة امتصوا من النظرية الرحيق المناسب لأقراص شهدهم
.


النقد الأسطوري وتحدي المتغيرات مدخل سجالي



يعتبر الأدب المقارن من الدراسات التي حظيت باهتمام كبير في النصف الثاني من القرن العشرين. والمقارنة لا تنحصر في حدود التماثل أو التشابه وحسب، بل تمتد لتشمل التأثير المتبادل واستقبال الآداب الأخرى وطريقة التعامل معها. وقد توسعت هذه الدراسات لتشمل أحقاباً أدبية وليس فقط أفراداً بعينهم، ولتقرأ تماثلات النظرية الأدبية وتبين أسبابها.
فما سبب تقارب ملمح ربط السامي بالجليل عند هايني بملمح ربط السامي بالغريب عند هيغو. وما سبب قيام الدادائية في أوروبا وقيام "الأدب المضاد" في أميركا، وهما من طينة واحدة وفي وقت واحد، مع أنه لا صلات بينهما؟ وأحياناً يجري التساؤل عن سبب اختلاف أثرين أدبيين كتبا في فترة زمنية واحدة من منظور واقعي واحد، كالحرب مثلاً.


ازدادت الدراسات المقارنة تخصصاً، فلم تقف عند حدود التماثل والتباين أو التأثر والتأثير المتبادل، أو الاستقبال وطريقته في التفاعل مع الآداب الوافدة وحسب، بل أمعنت في البحث عن "مسيرة الأدب الطويلة" التي تستغرق آلاف السنين. ومن هذه الدراسات تلك التي أشرف عليها آرثر هاتو حول دراسة جنس أدبي معين فقط، عبر حقبة زمنية واسعة. الجنس الأدبي الذي أشرف عليه هاتو كان بعنوان "لقاء العشاق وافتراقهم عند الفجر في الشعر" (براور "الدراسات الأدبية المقارنة" منشورات وزارة الثقافة بدمشق 1986 ص81).
وقد جمعت الأشعار التي تندرج تحت هذا الموضوع، منذ أقدم شاعر بدائي وحتى عصر شكسبير، من أصقاع وعروق مختلفة كل الاختلاف، كما يقولون، درست هذه الأشعار دراسة مقارنة انتهت إلى نتيجة مذهلة وهي وجود تشابه كبير فيما بينها. إنه تشابه بلغ حد التشابه بين قصيدتين في موضوع واحد كتبهما شاعر واحد.
وعندما اكتشفت ألواح أوغاريت في الشاطئ السوري عثر على قصائد يتساوى فيها أقدم شاعر أوغاريتي مع أحدث شاعر سوري (طبعاً إذا كان الموضوع واحداً). وفي بلاد الرافدين لوحظ أن عبثية كامو ويونسكو وسواهما، لا تزيد عن عبثية بعض النصوص التي عرجت عليها الألواح السومرية. وإن سفر "الجامعة" ليس أكثر من توسيع لما جاء في ملحمة كلكاميش، كلمحة عجلى وعابرة حول هذا العمر الذي يتبخر ويتبدل من غيران يترك أثراً يذكر بعده.
وسواء عزونا هذا التماثل الذي يكاد يقع فيما يشبه التكرار أحياناً، إلى العامل الاجتماعي أو إلى العامل النفسي، أو حتى إلى المزاج والطباع الذاتية المتشابهة، فإننا لا نستطيع أن نتجاهل "النظام الأدبي" الذي انتجته المخيلة البشرية. إن هذه النصوص لم تختر من مجتمعات أو نفوس أو أمزجة متقاربة بالمعنى السطحي الذي يجعلنا نقول أن شاعرين مختلفين بالمزاج هما مختلفان حتماً في الموضوع الشعري الواحد. إن الانطوائي يختلف عن الانبساطي اختلافاً تعكسه النصوص هنا وهناك، ولكنهما لا يختلفان إلى حد أن الأول (وليكن بدائياً) يشبه الوجه الجميل بالقمر، بينما الثاني (وليكن معاصرنا من القرن العشرين حيث ظهر القمر على حقيقته) يشبه الوجه القبيح بالقمر. فمهما حاولنا اللجوء إلى تفسير التشابه بالوضع الاجتماعي المتماثل أو النفسي أو المزاجي، فإن ذلك لا يعفينا من الإقرار بوجود "نظام أدبي" وطيد وراسخ، بل ونقول أنه نظام صارم، منذ القديم القديم. قد يفسر الوضع الاجتماعي أو الجغرافي أو الظروف العامة أوجه الاختلاف أكثر مما يفسر أوجه الائتلاف، كأن نلجأ إلى هذه الظروف في تفسير ظهور المسرحية عند اليونان وليس عند غيرهم. لكن هذه الظروف لا تسعفنا في تفسير التشابه في أغاني الزفاف -مثلاً- التي تكاد تكون واحدة منذ أيام سافو وحتى أيام سيد درويش، بل حتى أي أغنية زفاف في أيامنا هذه. العروس في هذه الأغاني يجب أن تكون جميلة الوجه والقوام ولو كانت تنفر منها الضبع، تتمختر بدقة وغنج ولو كانت مشيتها كمشية جندي في صفوف الصاعقة النازية، تحوطها الورود والرياحين ولو زفت من دون زينة. وهي رقيقة أنيسة أليفة ولو كانت شرسة كنمرة شكسبير.
لكن هذا لا يعني انفصال النظام الأدبي عن المجتمع والنفس والمزاج، لأن النظام الأدبي يمثل "ما يجب أن يكون". ولهذا يتساوى مجتمعان متغايران في أغاني الزفاف، لأن هذه الأغاني "يجب" أن تكون كما يريد النظام الأدبي الذي يقر به هذان المجتمعان المتغايران، أو على فرض أنهما متغايران. ومن هنا نقول أن المجتمعات تميل إلى التشابه والتماثل في النظام الأدبي لأن هذا النظام هو عرف اجتماعي ونفسي ومزاجي مهما كانت المجتمعات والنفوس والأمزجة متباينة ومختلفة. إنه أشبه بعقد، كعقد جان جاك روسو. وحتى الشاعر المناهض للزفاف سوف ينخرط في تيار النظام الأدبي فينظم وفق متطلباته.
لسنا بصدد عرض نظرية النقد الأسطوري في النظام الأدبي ودراسة فروع الأدب المختلفة ومدى خضوعها لهذا النظام، ولكننا نشير إلى قانون عام وشامل وهو تقصي الظاهرة الأدبية من خلال نسقها الخاص القائم على نظام خاص. وهذا النظام الخاص لأي ظاهرة لم يهبط من السماء، بل ظهر من الوجود البشري ذاته. فلو أخذنا أي لعبة رياضية كالملاكمة والمصارعة ورمي القرص وقذف السهم.. لوجدنا أنها تخضع لنظام. صحيح أن هذا النظام ظهر من المجتمع، ولكنه لا يتأثر بظروف المجتمع وتقلباته. فالألعاب الأولمبية بدأت بداية عشوائية في أول الأمر، ولكن مع الزمن ترسخ نظامها في القرن الثامن قبل الميلاد، ومنعتها الامبراطورية الرومانية في القرن الرابع بعد الميلاد نزولاً عند رغبة المسيحيين المتشددين. وعندما بعثت في أواخر القرن التاسع عشر حافظت على نظامها وما تزال حتى اليوم. ولا شك أننا نعتبر الألعاب الأولمبية الآن ألعاباً حديثة، لا بمعنى أننا وضعنا لها نظاماً مغايراً، وإنما بمعنى أننا وضعنا المزيد من القوننة علىهذا النظام، بحيث صار أكثر دقة، وصار زمن السباق يحسب بواحد من مئة أو ألف من الثانية، وربما توصلنا إلى حساب الواحد من مئة ألف، فمن يدري.؟ لكن هذا لم يغير من النظام الرياضي القديم شيئاً، وإن أضاف إليه المزيد من الضبط، ولعبة الألغاز تظل واحدة، على الرغم من تعددها وكثرتها، من أيام أبي الهول والغازة وحتى فوازير رمضان.
والغرض من تعريجنا على هذه النقطة هو التشديد على أن "النظام" ليس ميزة للأدب وحده، يفرض نفسه رغم التباينات الكثيرة والمفارقات العديدة بين المجتمعات، وإنما ظاهرات كثيرة لا نستطيع أن نفسرها إلا اعتماداً على نظامها الخاص. وعلى هذا النظام تلح نظرية النقد الأسطوري وتعتبره من نتاج اللاوعي الجمعي. وقد استرعى هذا اللاوعي اهتمام النقاد في الميادين الأخرى ولم يقتصر على الأدب وحده. فالناقد الفني غراهام كوليير يعير هذه الناحية اهتماماً خاصاً، فهو يشبه هذا اللاوعي بالنهر الذي يجري تحت أرض كلسية. فيمكن أن ينفجر ويصبح سيلاً عارماً بعد الأمطار الغزيرة. وكذلك تيار اللاوعي، فمن الممكن أن يقذف إلى الوعي بالصور الفنية. ويرى أن هذا التيار فرضي لا يمكن البرهنة عليه إلا أن من الممكن التلميح إلى وجوده اعتماداً على جوانب غريزية من التجربة والسلوك النابعين من المخيلة النفسية. فعلى الرغم من الأصل العرقي والتباين الحضاري نلاحظ أن الناس يبصرون في أثناء نومهم الأحلام ذاتها، بقضها وقضيضها، لا تبديل ولا تغيير.
يقول كوليير:
ويمكن تشبيه اللاشعور بمخزن ومحطة توليد كهربائية جاهزين مجتمعين. وحين يتأثر الفنان بالتيار الوارد من هذا المصدر يتراجع الشعور العقلاني، ولا يكون له صوت كبير في تشكيل الصورة ولا تحكم كبير في مد الإحساس المحض. وبالإضافة إلى ذلك ليس في استطاعة الفنان التحكم في الآلية التي بواسطتها تتحرك هذه الرواسب الغريزية من التجربة التخيلية داخل الشعور. إنه ليس بإمكانه أن يريد لهذه الصور الأولية أن تجيء ولا أن يعيق مجيئها. فهي تعمل سراً عبر الحد الذي يفصل اللاشعور عن الإدراك الشعوري، وحتى حارس الحدود اليقظ المعروف باسم "العقل" يبدو عاجزاً عن التحكم بهذا التغلغل، إذ هناك أوقات أثناء إبداع عمل ما، يجد الفنان عقله فيها خاوياً والإحساس الموضوعي أو المحرض من الخارج معطلاً بأكمله. في مثل هذا الفراغ يصبح فعل الرسم أو التشكيل "وفق نموذج معين" نشاطاً لا صياغة للأفكار فيه، يشبه السبات. ولكن في وقت مثل هذا تقوم طبقة الأساس السفلية بعملية الاختراق. ويعمل الشخص تحت التأثير الاجباري لصورة تتطور وتظهر نفسها له ببطء. ثم تكون النتيجة المكتملة كشفاً مفاجئاً بالنسبة للفنان بقدر ما هي بالنسبة لأي شخص آخر (الفن والشعور الإبداعي، ترجمة منير الأصبحي، وزارة الثقافة، دمشق 1983 ص5/1 وما بعدها).
هذا اللاوعي الجمعي ليس عشوائياً، كما قد يظن بعضنا. إنه يؤلف نظاماً مشتركاً بين البشر. ومنه ظهر النظام الأدبي الذي يمتلك قوانين صاغتها حديثاً نظرية النقد الأسطوري.
* * *
تأخر ظهور النقد الأسطوري عندنا إلى أواخر السبعينات. كانت الساحة النقدية ملكاً للنظريات الأدبية الحديثة الأخرى من أمثال الماركسية والوجودية والفرويدية. تحدثنا عن "اللاوعي" منذ الخمسينات حديثاً مفرطاً. إلا أن هذا اللاوعي لم يكن هو اللاوعي الذي تقر به نظرية النقد الأسطوري. وحتى الآن لا يوجد تفسير مقنع لسبب تأخر ظهور النقد الأسطوري ولا لسبب الظهور المتقدم لنظريات أخرى كالماركسية والوجودية والفرويدية. هل تماسنا مع هذه النظريات سبب مقنع؟ ولماذا التماس مع هذه النظريات دون غيرها؟.. هل كانت ظروفنا تستدعي ذلك؟.. إذن ما الذي تغير حتى أهملنا الآن النظرية الوجودية اهمالاً شبه كامل؟ ولماذا -مثلاً- اخترنا فرويد ولم يظهر صوت يونغي واحد؟ هل المعركة القومية هي التي فرضت مثل هذا التوجه؟.. فهل كان ثمة ضير في أن نتعرف على النقد الأسطوري أو كان ثمة "ظروف" تمنع من ظهور هذا التيار؟.. هل كانت الأسطورة تعني لنا تدمير أهدافنا القومية، أو أنها مدخل إلى الميتافيزياء التي كانت مرفوضة كل الرفض في تلك الأيام؟
إن الدراسات التي ظهرت قبل أواخر السبعينات كانت تشير إلى شيء من هذا القبيل. فكتاب "الأسطورة في الشعر المعاصر" (بيروت 1959) لاسعد رزوق يرى الأسطورة في الشعر العربي إنها نتيجة استقبال قصيدة اليوت المشهورة "الأرض اليباب" ويعالج موضوعه على هذا الأساس. فكما أن قصيدة اليوت ترثي حضارة الغرب المحتضرة المسرعة إلى الموت المحتوم، كذلك نجد الشعر العربي الحديث ينحو هذا المنحى، فهو ليس أكثر من صدى الشاعر الانكليزي الأميركي اليوت. والفرق بين الشعراء العرب واليوت هو أنهم عمدوا إلى الرموز الشرقية للأسطورة، وابتعثوا آلهة شرقية لم ترد عند اليوت.
الدراسة الثانية التي ظهرت هي "مضمون الأسطورة في الفكر العربي" (بيرت 1973) لخليل أحمد خليل. وهي لا تعتبر دراسة أدبية بقدر ما تعتبر تشخصياً لاتجاه الفكر العربي نحو الميتافيزياء. ولذلك يفسر تخلفنا في كل شيء بالفكر الأسطوري، فحيثما كان التخلف تكون وراءه الأسطورة، أو بالأصح الفكر الأسطوري الموجه لتصرفاتنا. ولهذا يربط بين الفكر الأسطوري وبين العبودية الاجتماعية، بينه وبين الاستلاط السياسي وقيام الأنظمة القهرية، وما شابه ذلك من أنواع الإعاقات لظهور الفكر العلمي الاجتماعي.
وفكرة خليل هذه ضعيفة على الرغم من نبل مقصدها واستهدافها التقدمي الإنساني وصدق صاحبها في دعوته إلى الخلاص من التخلف الذي يخيفه ويتوجس من أنه سيستمر مدة ليست بالقصيرة.. إلى أن نصفي حساباتنا مع الفكر الأسطوري.
وضعف هذه الفكرة يثبته التاريخ، فأعظم ديمقراطية عرفها العالم ظهرت في أعظم دولة يسودها الفكر الأسطوري وهي الدولة الاثينية التي كانت تربي أبناءها على الفن والأدبي والموسيقى وكلها فنون منحدرة من الأسطورة، أي من الفكر الأسطوري. والتقدم الذي حققته هذه الدولة هو الذي يعتبر اليوم التراث الإنساني الأمثل في السياسة والحكم والأدب. فحتى الآن لم نمارس سوى جزء بسيط من الديمقراطية الأثينية، فنحن ننتخب ولا نقترع. والاقتراع هو وسيلة ديمقراطية لمنع الأغنياء من استغلال اللعبة الديمقراطية، فالناجحون، في الانتخابات، ويكون عددهم أكثر من العدد المطلوب في المجلس حتماً، يخضعون لعملية اقتراع، أي ضرب القرعة حيث يكون النجاح عن طريق المصادفة المحضة، فالناجح في الاقتراع هو الذي يدخل المجلس وليس الناجح في الانتخاب، لأنه قد يكون غنياً كبيراً يشتري الأصوات. أما القرعة فكانت تجري في الساحة العامة، وأمام جميع الاثينيين، ويقال أن الأولاد الصغار كانوا يحضرون الاقتراع كي يترسخ فيهم حس الديمقراطية، فلا يقصرونها، إذا ما كبروا على الانتخاب الذي يأتي بالأغنياء والمنافقين أكثر مما يأتي بالرجال الصادقين. وقد حكمت هذه الديمقراطية بالموت على شخص كسقراط "العلمي" الذي أيد الدكتاتوريين الذين استلموا زمام السلطة فترة من الزمن، والذي كان يرفض الأسطورة أو التفكير الأسطوري، وحملته مسؤولية كل هذا التخلف. فنظمنا السياسية والرياضية والأدبية.. هي من التراث الاثيني الذي كان يعتمد التفكير الأسطوري.
الدراسات التي تدخل في صلب النقد الأسطوري تأخرت حتى أواخر السبعينات ومن هذه الدراسات نشير إلى:
1-أسطورة الموت والانبعاث في الشعر العربي الحديث (بيروت 1978) لريتا عوض التي اكتفت بتلمس جانب الموت والانبعاث في الشعر العربي. وهو جانب هام من دون شك، لكن الباحثة تصيب إذ تدخل إلى الصور الكبرى التي يلعبها الخضر أو العذراء أو ما شابه ذلك من الأنماط الأولية: أب- أم- ابن .. الخ وبذلك تكون قد أسهمت في تقديم جانب هام من جوانب النقد الأسطوري. إنه -في اعتبارها- أهم جوانب النقد الأسطوري، أو بالأحرى، إنه الجانب المحوري.
وقد أتبعت هذا الكتاب بكتاب آخر ظهر بعد سنوات وهو "أدبنا الحديث بين الرؤيا والتعبير" (بيروت 1979)
2-الرؤيا في شعر البياتي (دمشق 1986) لمحي الدين صبحي. وفي هذه الدراسة تبرز ناحية أخرى من النقد الأسطوري يعتبرها الباحث هامة جداً وهي "القناع" أو ما يسميه يونغ "البرسونا" ويرى الباحث أن دراسته تستخدم لأول مرة في النقد العربي" تقنية القناع" ودوره في التعبير عن حلم الجماعة. ويرى أن هذا النموذج البدئي -أو الأولي- للشاعر رفع إلى أعلى درجات الأمُثَلَة تحت أقنعة الحلاج والمعري والخيام ولوركا وأبي فراس وغيفارا.. ثم تماهت الأبطال والعصور لتشكل رؤيا موحدة عن الحضارة العربية الإسلامية، رؤيا تبلغ من الأمثلة والصفاء والعمق أنها تسدّ حاجة الأمة في واقعها المهيض إلى تلك النماذج الحضارية العظمى تطل عليها من وراء الغيب فترعاها.
وفي هذا مؤشر إلى إمكانية قيام "نظرية عربية" في الأدب، وتأكيد على أن الأدب هو نظام عالمي، ليس الآن وحسب، بل منذ آلاف السنين، منذ البدايات الأولى.
3-الأداء الأسطوري في الشعر العربي المعاصر (مجموعة ميرادية 1992) لعلي البطل. وهنا نجد أنفسنا أمام دراسة أشمل، لا تقتصر على التشديد على ناحية أكثر من غيرها. فالباحث يعرض علينا الأداء الأسطوري في شعرنا وكيف انتقل من التعامل مع الرموز الأسطورية إلى التعامل مع منطق الأسطورة. ففي البداية كان الشعراء يستخدمون أسماء أبطال أسطوريين للدلالة على مقصدهم، لكنهم فيما بعد اتقنوا منطق الأسطورة ذاته واستخدموه في أدائهم، فلم يعد الشاعر ينتقي من الأساطير ما يحمل مضمونه المرغوب، بل صار يصوغ بنفسه لغة الأسطرة.
ويؤكد على ملمح دقيق في لغة الشعر وهو التفريق بين "لغة الطقس" و"لغة الحياة" اليومية"، فالشعر يستخدم الاثنين معاً ولكن الحاصل يكون إبداعاً فنياً خاصة إذا كان الشاعر قادراً على التحكم في توظيف اللغة اليومية واختار ما يوحي بمكنون الصورة الشعرية، أو الصور الشعرية التي تستخدم لغة الطقس. وبذلك يكون الشاعر قد قام بالتعديل بالمناسبة ووافق بين الأسطرة وبين الواقع اليومي الذي بسببه يضطر الشعر إلى التجديد والتعديل.
لسنا بصدد تعداد الدراسات التي قدمها النقد الأسطوري، وإلا كان علينا الإشارة إلى كتب علي البطل نفسه من أمثال "الصورة في الشعر العربي" (بيروت 1981) وكذلك "شبح قايين بين ايديث سيتويل وبدر شاكر السياب" (بيروت 1984) وهو -على ما قاله لي- بصدد متابعة نشاطه النقدي، من أجل مهر النظرية الأدبية الحديثة بالإسهام العربي.
* * *
غرضنا من هذا البحث هو تقديم صورة إجمالية للنقد الأسطوري وتبيان حدوده وموقعه في مرسوم النظرية الأدبية الحديثة، أو بالأحرى النظريات الأدبية الحديثة. وقد بينا سبب قيام النظرية الأدبية الحديثة ومسوغاتها وعرضنا للتيارات المختلفة لهذه النظرية من شكلانية وبنيوية وماركسية.. الخ وقارنا بين النظرية الأدبية الحديثة والنظرية الأدبية القديمة قبل عرض أهم جوانب النقد الأسطوري.
وقد فسرنا سبب تأخر ظهور النظرية الأدبية الحديثة حتى بداية القرن العشرين. وهو اجتهاد أرجو أن نكون مصيبين فيه، فنحن لم نعتبر الانطباعية والرومانسية والطبيعية وبقية النظريات الأدبية في القرن التاسع عشر من ضمن "النظرية الأدبية الحديثة" وقدمنا الأسباب التالية، التي سبق أن عرضناها في كتبنا السابقة، وعلى الأخص كتاب "الحداثة عبر التاريخ":
1-النظرية الأدبية القديمة تمثل الحداثة الزراعية وهي الحداثة الأولى التي صاغها اليونان بالنيابة عن العالم صياغة رائعة. وظلت هذه الحداثة تفعل فعلها حتى حلت العصور الوسطى فأبطلت الكنيسة الغربية فعل الحداثة الذي استمر ببطء شديد طيلة هذه العصور ولم يكن له أي اسهام يذكر.
2-النظرية الأدبية الحديثة تمثل الحداثة الصناعية أو الحداثة الثانية. وقدرنا أن هذه الحداثة بلغت أوجها في الربع الأول من القرن العشرين.
3-ألمحنا إلى احتمال قيام نظرية أدبية جديدة، بعد أن تتحقق الحداثة الثالثة، وهي الحداثة التكنولوجية الدقيقة وما نلاحظه من ثورة إعلامية ومن تقدم مذهل في هندسة الوراثة. وأشرنا إلى البدايات الأولى لهذه النظرية التي ترافق الحداثة الثالثة.
* * *
تبقى مشكلة المصطلحات التي يستخدمها النقد الأسطوري من أمثال السوما والاسكيا والظل والقناع والانبساطي والانطوائي والين واليانغ أو الانيما والانيموس والبارادغما والفارماكوس.. وغير ذلك من المصطلحات الكثيرة جداً. فقد حاولت الاقتصار على الأهم منها، مما اعتقدت أنه يخدم الغرض الذي من أجله كتبنا هذا البحث.
كان في مقدورنا الاستفادة من الجهد الكبير الذي بذله الباحث المصري المتخصص محمد حمدي إبراهيم في كتابه "دراسة في نظرية الدراما الإغريقية "وهي دراسة متأنية ودقيقة لجانب كبير مما يفيدنا في بحثنا، فقد قدم ترجمة لكثير من المصطلحات اليونانية، إلا أننا لم نرغب في توسيع دائرة المصطلحات حتى لا يكون البحث متسيباً، أو عرضا للمصطلحات، ولكن الشيء الذي نرغب إلى القارئ أن ينتبه إليه هو أننا عندما نقول تراجيدياً وكوميدياً، فإننا لا نقصد الدراما أو المسرح. إننا نقصد نوعين أدبيين كبيرين يندرج تحتهما الشعر والقصة والرواية والمسرحية وبقية الأنواع الأدبية، فالمنظور هنا هو منظور طقسي، كما سوف يرى القارئ.. وكذلك الأمر بالنسبة إلى الرومانس أو السخرية والهجاء.
ومع أن رواية "يوليسيس" لجيمس جويس تعتبر من أشهر روايات القرن العشرين، ومن أصدقها نمذجة للنقد الأسطوري، فإننا لم نقف عندها طويلاً في شرحنا لنظرية الانزياح، لأن مؤلفها كتبها عن سابق تصور وتصميم، إذ كان الرجل صديقاً حميماً ليونغ، وكان من أشد أنصاره حماسة. وقد خصه يونغ بدراسة تعتبر فريدة من نوعها. وقد عرجنا عليها تعريجاً حتى لا يقال أن الباحث يؤيد البرهان بالدعوى ذاتها، وكان لنا في غيرها مندوحة واسعة.
ليس لنا من وراء بحثنا أي غرض للمفاضلة، بل إن ما نصبو إليه هو التعرف على "النظام الأدبي" الذي تؤكد عليه النظرية الأدبية الحديثة. والمهمة الأولى لكل نقد هي الوصول إلى "نظام" الظاهرة التي يتعامل معها، ومدى قدرة هذا النظام على تحدي المتغيرات إما باستيعابها ضمن هيكله أو بإفساح المجال أمامها لترسم معالمها ضمن هذا الهيكل، أو يعدل من بعض أجنحة هيكله ليتكيف مع هذه المتغيرات وقد وضع النقد الأسطوري نظريته في الانزياح والتعديل، ليكون أفقاً مفتوحاً أمام كل الانتاج الأدبي الحديث، مع تأكيده الشديد على الأنماط الأولية التي صاغتها البشرية عبر مسيرتها، والتي تعتبر راسخة جداً ووطيدة جداً.



أهلا وسهلا في رحاب الآداب العربية مع حليمي زهدي.